محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1087
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
مطلق جوهر لا يتغيّر أبدا ، وما هو شرّ مطلق جوهر أيضا لا يتغيّر أبدا ، وما هو خير وشرّ بالإضافة في حالة دوران ؛ من هنا فكلّ ما هو خير ولا يتغيّر ، مفروغ ؛ وما يتغيّر مستأنف . اليتيمان اللذان كان لهما كنز ، كانا من الخير المطلق ؛ فلا جرم أن يقوم بعملهما رجلان كبيران على ما فيهما من حيرة وجوع ، كي لا يضيع أثر الكنز ؛ وذلك الطفل كان من حيّز الشرّ المطلق : « كان الغلام الذي قتله الخضر - عليه السلام - مطبوعا على الكفر » ؛ فلا جرم أن يقطع رأسه في الطفولة ؛ وانظر إلى علامته المكتوبة عليه : كافر مطبوع ؛ وتلك سفينة مساكين البحر التي أراد أن يستولي عليها الغاصب كانت على حدّ الإمكان من حيّز الخير الإضافي والشرّ الإضافي : وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً . يقول موسى - عليه السلام - : هذه الثنائية في الحكم والشكل التي تقولها قد اتّضحت ، ويبقى هنا سؤال وهو : أيّ حكم هو الأصل وأيّهما الفرع ؟ وأيّ القولين متقدّم وأيّهما متأخّر ؟ وأيّ حكم يهيمن على الحكم الآخر ويحيط به ، وأيّهما محاط ؟ وأيّهما كلّي وأيّهما جزئي ، أم إنّ الحكمين متساويان ؟ الخضر يقول : السؤال لا ينفصل عن السؤال حتّى يعلم الرجل كلمة الفصل . إن أذعنت أنّي معلّم ، وجئتني متعلّما ، فلا بدّ - على كلّ حال - أن أجعلك تستسلم أنّي أعلم شيئا لا تعلمه ، وأعمل شيئا لا تستسيغه ؛ فإن اعترضت يبطل التسليم ، وإن سكتّ تبق محروما عن علم ذلك الشيء ، وصعب هو : « والصبر على ما لا يعلم حتّى يعلم » ، إنّه عمل الرجال . وهنا حيث اعتبرت نفسك متعلّما واعتبرتني معلّما ، وقلت عن المفروغ والمستأنف : فالمفروغ كمال ، والمستأنف نقصان متوجّه إلى الكمال . المفروغ رجل كامل الخلقة ، والمستأنف نطفة متّجهة إلى الكمال . المفروغ العالم ، والمستأنف المتعلّم . المفروغ النبيّ ، والمستأنف الأمّة . العالم محيط ، والمتعلّم محاط . النبيّ كلّ ، والأمّة جزء ؛ والكلّ متقدّم على الجزء ، والجزء متأخّر عن الكلّ . افهم التنزيل والتأويل والأوّل والآخر والظاهر والباطن على هذا الميزان ، واعلم الترتّب بين كلّ واحدة كي لا يبقى إشكال ؛ وفي كلّ حال وفي كلّ مسألة لم يعرف الشخص فيها الحكمين والحالتين يبقى في ظلمات الشبهات ؛ التشبيه يجرّه أحيانا إلى حالة التشبيه ،